هل الذي حدث في غزة انقلاب أم أنه إجهاض لانقلاب؟ هذا السؤال ألحّ عليّ بشدة حين تجمعت لديّ مجموعة من الشهادات والوثائق المهمة ذات الصلة بالموضوع. وها أنا أضع خلاصاتها وبعض نصوصها بين يديك، كي تشاركني التفكير في الإجابة عن السؤال.
(1)
يوم الخميس الماضي 14/6 نشرت صحيفة “يونجافليت” الألمانية تقريراً لمعلقها السياسي فولف راينهارت قال فيه إن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش خططت منذ فترة طويلة لتفجير الأوضاع الداخلية الفلسطينية، وتحريض تيار موال لها داخل فتح على القيام بتصفيات جسدية للقادة العسكريين في حركة حماس. وقد تحدث في هذا الموضوع صراحة الجنرال كيث دايتون مسؤول الاتصال العسكري الأمريكي المقيم في تل أبيب، في جلسة استماع عقدتها في أواخر مايو/أيار الماضي لجنة الشرق الأوسط في الكونجرس الأمريكي. وفي شهادته ذكر الجنرال دايتون أن للولايات المتحدة تأثيراً قوياً في كافة تيارات حركة فتح، وأن الأوضاع ستنفجر قريباً في قطاع غزة، وستكون عنيفة وبلا رحمة. وقال إن وزارة الدفاع الأمريكية والمخابرات المركزية ألقتا بكل ما تملكان من ثقل، في جانب حلفاء الولايات المتحدة و”إسرائيل” داخل حركة فتح. كما أن تعبئة الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة لرئيس السلطة الفلسطينية ضد حماس، تمثل خياراً استراتيجياً للإدارة الأمريكية الحالية. وهو ما يفسر أن الكونجرس لم يتردد في اعتماد مبلغ 59 مليون يورو لتدريب الحرس الرئاسي في بعض دول الجوار، وإعداده لخوض مواجهة عسكرية ضد حركة حماس.
أضاف المعلق السياسي للصحيفة الألمانية أن التيار الأمريكي “الإسرائيلي” داخل فتح لم ينجح رغم كل الدعم السخي الذي قدم إليه في كسر شوكة حماس. وهو ما دفع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية إلى استدعاء خبرتها السابقة في جمهورية السلفادور، وتوجيهها للعناصر الفتحاوية المرتبطة بها لتشكيل فرق الموت لاغتيال قادة وكوادر حماس، وتحدث راينهارت في هذه النقطة عن خيوط كثيرة تربط بين فرق الموت والحرس الرئاسي الفلسطيني والمستشار الأمني النائب محمد دحلان. ونسب إلى خبيرة التخطيط السياسي في الجامعات “الإسرائيلية” د.هيجا ياو مجارتن قولها إن دحلان مكلف من وكالة المخابرات المركزية وأجهزة أمريكية أخرى، بتنفيذ مهمة محددة، هي تصفية أي مجموعات مقاومة ل “إسرائيل” داخل حركة حماس وخارجها.
(2)
في 10 يناير/ كانون الثاني الماضي، وجه رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية رسالة إلى رئيس السلطة أبو مازن، نصها كما يلي:
نهديكم أطيب التحيات، ونسأل الله لكم التوفيق والسداد. لقد توافرت لنا بعض المعلومات في الآونة الأخيرة، تشير إلى خطة أمنية تهدف إلى الانقلاب على الحكومة والخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني. ويمكن إيجاز هذه المعلومات في النقاط التالية:
- إدخال كميات ضخمة جداً من السلاح لصالح حرس الرئاسة، من بعض الجهات الخارجية، بمعرفة ومباركة من أمريكا و”إسرائيل”.
- تشكيل قوات خاصة من الأمن الوطني تقدر بالآلاف لمواجهة الحكومة الفلسطينية والقوة التنفيذية واعتماد “مقر أنصار في غزة” مقراً مركزياً لها.
- تجهيز هذه القوات بالسيارات والدروع والسلاح والذخيرة وصرف الرواتب كاملة للموالين.
- تعقد اجتماعات أمنية حساسة لعدد من ضباط الأمن الفلسطيني في مقر السفارة الأمريكية حيث تناقش فيها خطط العمل.
- البدء بإجراءات إقالة لعدد من الضباط واستبدالهم بشخصيات أخرى، مع العلم أن لجنة الضباط هي المختصة بهذه الشؤون، وكذلك تعيين النائب محمد دحلان من طرفكم شفوياً كقائد عام للأجهزة الأمنية، وفي ذلك مخالفة قانونية.
- تهديد الوزراء ورؤساء البلديات بالقتل، حيث تم الاعتداء على الوزير وصفي قبها وزير الأسرى، وإعلامه عبر مرافقه أن الاعتداء القادم سيقتله. وكذلك تم تكليف أحد مليارديري فتح من غزة بتصفية الوزير عبد الرحمن زيدان وزير الأشغال والإسكان مقابل 30 ألف دولار.
الأخ الرئيس: بناء على ما سبق وغيره الكثير من المعلومات التي نمتلكها، فإننا نعبر عن بالغ أسفنا إزاء ما ورد، حيث إن ذلك يهدد النظام السياسي الفلسطيني والنسيج الوطني والاجتماعي، ويعرض القضية برمتها للخطر. نرجو منكم اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لحماية شعبنا وقضيتنا، ونحن سنظل أوفياء وحريصين على وحدة الشعب ولحمته، واقبلوا وافر التحية.
في الوقت الذي أرسل فيه إسماعيل هنية هذا الخطاب إلى “أبو مازن”، كانت أمامه معلومات محددة حول بعض تفصيلات الإعداد للخطة الأمنية، التي منها على سبيل المثال: تعيين محمد دحلان قائداً عاماً للأجهزة الأمنية -اختيار 15 ألف عنصر من الموالين لتشكيل قوة خاصة في الأمن الوطني لمواجهة حماس- دخول150 سيارة جيب مزودة بأجهزة الاتصال اللاسلكي -توفير 2000 مدفع كلاشنكوف إضافة إلى ثلاثة ملايين رصاصة - توفير الملابس الخاصة والدروع للقوة الجديدة- إعادة بناء كافة الأجهزة الأمنية وإقالة 15 من قادتها واستبدالهم بآخرين موالين - وإقالة 185 من ضباط الأمن الوطني لتنقية صفوف الجهاز من غير الموثوق بموالاتهم.
إلى جانب هذه المعلومات، كانت هناك مذكرة بخط الفريق عبد الرازق المجايدة (منسق الأجهزة الأمنية) كتبت على ورقة تحمل ختم ديوان الرئاسة، تحدثت عن مطالب موجهة إلى الأجهزة الأمنية وخاصة الأمن الوطني، تضمنت سبعة بنود، من بينها وضع خطة العمليات وفرز ال15 ألف عنصر المرشحين للقوة الجديدة، وحصر كميات الأسلحة والذخائر المتوفرة.
في هذا الجو المسكون بالشكوك والهواجس، أصدرت وزارة الداخلية تصريحاً صحافياً في 6/2 الماضي، أعربت فيه عن استنكارها وإدانتها للطريقة التي يتم من خلالها إدخال السيارات والمعدات اللوجستية من المعابر الحدودية بصورة سرية وبتعتيم مريب، على نحو يتم فيه تجاوز الحكومة ووزاراتها المختصة. وذكر البيان أن وزارة الداخلية تحمّل الجهات التي تقف وراء هذه العملية كامل المسؤولية عن أي تداعيات تنجم عن هذا الأسلوب المرفوض وطنياً وقانونياً.
(3)
يوم 6/6 نشرت صحيفة “هآرتس” أن جهات في حركة فتح توجهت أخيراً إلى المؤسسة الأمنية في “إسرائيل” طالبة السماح للحركة بإدخال كميات كبيرة من العتاد العسكري والذخيرة من إحدى دول الجوار إلى غزة لمساعدة الحركة في معركتها ضد حركة حماس. وأضافت الصحيفة أن قائمة الأسلحة والوسائل القتالية تشمل عشرات الآليات المصفحة والمئات من القذائف المضادة للدبابات من نوع “آر.بي.جي”، وآلاف القنابل اليدوية وملايين الرصاصات. كما ذكرت أن مسؤولي فتح تقدموا بطلباتهم في لقاءات مباشرة مع مسؤولين “إسرائيليين”، كما أن المنسق الأمني الأمريكي الخاص في المناطق الفلسطينية المحتلة الجنرال كيث دايتون نقل طلباً مماثلاً إلى “إسرائيل”.
أضافت الصحيفة أن “إسرائيل” سمحت لفتح في السابق بتلقي كميات من الأسلحة شملت 2500 بندقية وملايين الرصاصات. وقد تقرر إدخال الآليات المصفحة التي لا تعتبر سلاحاً يشكل خطراً على الدولة العب
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |